تشهد القنصلية العامة لإسبانيا بالناظور حالة غير مسبوقة من الغضب والاحتقان، بعد صدور أكثر من أربعمائة قرار رفض منذ وصول القنصل الحالي، أغلبها يتعلق بملفات التجمع العائلي وعقود العمل للشباب المقيمين مع آبائهم في إسبانيا. وقد أحدثت هذه القرارات صدمة واسعة بين المتضررين، خصوصًا أن لغة الرفض كثيرًا ما تتضمن اتهامات صريحة للطعن في وثائق رسمية مغربية، مثل النسخ الكاملة، وحسن السيرة، والشواهد الطبية، ما اعتبره كثيرون مساسًا مباشرًا بمصداقية المؤسسات المغربية وبكرامة المواطنين.
وقد دفع هذا الوضع فاعلين محليين إلى المطالبة بتحرك عاجل من السلطات الإقليمية بالناظور، بالتنسيق مع سفارة إسبانيا بالمغرب، لفتح تحقيق معمق حول هذه الممارسات التي بدأت تؤثر على صورة البلاد وسمعتها.
وتتصاعد الانتقادات أيضًا حول طريقة إدارة ملفات التأشيرة داخل القنصلية، سواء على مستوى التعامل اليومي مع المواطنين أو على مستوى اللغة الإدارية المعتمدة في قرارات الرفض. فقد لاحظ عدد من طالبي التأشيرة أن الصياغات المستعملة لا تعكس روح التعاون الثنائي بين المغرب وإسبانيا، ولا الانفراج الدبلوماسي الذي ميز العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة. عبارات مثل “وثائق مزورة” أو “معطيات غير دقيقة” تصدر دون تبريرات مفصلة أو مساطر تحقق واضحة، ما يوحي بالتشكيك المسبق في مؤسسات مغربية قبل التحقق من صحة الوثائق.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الحالات تخضع لاستثناءات واضحة ضمن الإطار القانوني الإسباني، مثل المتقدمين الذين هم أبناء لمواطن أجنبي مقيم بإسبانيا بتصريح إقامة مجدد أو أبناء لمواطن إسباني مجنس، وهو ما يجب أن يُأخذ بعين الاعتبار عند معالجة الملفات.
ويزداد الوضع تعقيدًا عندما يُلاحظ أن هذا التشدد المفرط يقتصر على قنصلية الناظور فقط، دون غيرها من المدن المغربية، حيث تتعامل باقي القنصليات الإسبانية بقدر أكبر من المهنية والانسجام مع المساطر القانونية، وتصدر التأشيرات دون استعمال لغة توحي بالريبة أو الاتهام المسبق. هذا التباين يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلق باجتهاد فردي من القنصل الحالي، أم بحسابات حزبية في شأن السياسة الخارجية الإسبانية تجاه المغرب.
فالقرارات الصادرة بصيغتها الحالية تُقرأ لدى كثيرين كإشارة مضادة لمسار التعاون المغربي–الإسباني، وقد تتحول إلى عامل توتر اجتماعي لا يخدم مصالح البلدين. خصوصًا أن الطعن في وثائق صادرة عن إدارات مغربية موثوقة يعد سابقة، في حين تُقبل هذه الوثائق في باقي القنصليات الإسبانية دون إشكال، ما يعزز الانطباع بأن المشكلة تكمن في طريقة التدبير داخل قنصلية الناظور فقط.
اليوم، يطالب المتضررون والرأي العام المحلي بإعادة النظر في أسلوب المعالجة القنصلية داخل الناظور، بما يعيد الانسجام مع روح الشراكة المغربية–الإسبانية، ويضمن احترام المؤسسات المغربية والجهود الدبلوماسية المبذولة لتقريب البلدين. فالعمل القنصلي ليس مجرد ختم على جواز السفر، بل مرآة لوجه الدولة ورسالة واضحة عن مدى احترامها لشركائها وللمواطنين.



