لم يعد الأمر مجرد تأخر أو سوء تنظيم عابر، بل أصبح مشهدا يتكرر أمام المحطة البحرية ببني أنصار بالناظور، حيث يجد عدد من أفراد الجالية المغربية أنفسهم أمام معاناة حقيقية قبل مغادرة أرض الوطن، في ظروف لا تليق بصورة المغرب ولا بالاستقبال الذي يفترض أن يحظى به أبناء الجالية، الذين قطعوا مئات الكيلومترات قادمين من مختلف مدن الجهة الشرقية.
المفارقة الصارخة أن المسافر الذي اقتنى تذكرته للعودة عبر الرحلات البحرية في اتجاه ألميريا أو جنوة بإيطاليا، قد يجد نفسه مطالبا بالحضور إلى المحطة منذ الساعة التاسعة صباحا من أجل تأكيد الحجز لدى بعض وكالات السفر، تحت طائلة فقدان الرحلة، في حين أن شبابيك هذه الوكالات تغلق أبوابها في حدود الساعة الواحدة زوالا، بينما لا تنطلق الرحلات البحرية إلا في حدود الساعة الحادية عشرة ليلا.
فهل يعقل أن يُطلب من مسافر أن ينتظر نحو اثنتي عشرة ساعة في ظروف تفتقر إلى أبسط شروط الراحة؟
نساء حوامل، أطفال، أشخاص مسنون، وأسر بأكملها، تجد نفسها مجبرة على قضاء ساعات طويلة في العراء، تحت حرارة الشمس، في غياب فضاءات مغطاة ومهيأة للاستراحة، وغياب مرافق صحية بالقدر الكافي، بل إن بعض المسافرين لا يجدون سوى الأرض ليفترشوها في انتظار موعد الرحلة.
أما السيارات، فليست أفضل حالا، إذ يضطر أصحابها إلى الانتظار في ظروف صعبة، في ظل غياب مرآب أو فضاء مغطى يحميهم ويحمي مركباتهم من أشعة الشمس الحارقة.
والأخطر من ذلك أن كثيرا من الأسر تحمل معها مواد غذائية ومؤونة استعدادا لرحلة طويلة، غير أن طول ساعات الانتظار وغياب ظروف الحفظ المناسبة يجعل هذه المواد عرضة للتلف، وهو ما يعني خسارة إضافية لمسافر دفع أصلا مبالغ مهمة مقابل تذكرة السفر، فمن يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية هنا لا يمكن أن تبقى معلقة في الهواء.
جماعة بني أنصار مطالبة بتحمل مسؤوليتها في توفير فضاء لائق للاستراحة، مغطى ومجهز بالمرافق الأساسية، يستجيب لحجم الحركة التي تعرفها المنطقة، خصوصا خلال فترات عودة ومغادرة أفراد الجالية.
كما أن الجهة المشرفة على تدبير الموانئ والمحطة البحرية مطالبة بتوضيح الإجراءات المعتمدة، والعمل على ضمان ظروف استقبال وانتظار تليق بالمسافرين، بدل تركهم لساعات طويلة في فضاءات تفتقر إلى أبسط شروط الراحة.
أما وكالات السفر، فعليها مراجعة طريقة تدبير تأكيد الحجوزات. فمن غير المنطقي، من الناحية العملية، أن يتم إلزام المسافر بالحضور في ساعة مبكرة جدا، بينما تغلق الشبابيك في الواحدة زوالا، في الوقت الذي لا تغادر فيه الباخرة إلا في وقت متأخر من الليل.
الحل ليس مستحيلا، ويكمن في؛ تحديد توقيت لتأكيد الحجز يكون قريبا من موعد الرحلة، وتمديد ساعات العمل بما يتناسب مع حركة السفن والمسافرين، حتى لا يتحول تأكيد التذكرة إلى عقوبة إضافية للمسافر.
وفوضى أخرى عند ولوج الباخرة.
وإذا كانت معاناة الانتظار تنتهي نظريا عند اقتراب موعد الصعود، فإن بعض المسافرين يتحدثون عن مشكلة أخرى لا تقل خطورة، تتعلق بالفوضى التي قد ترافق عملية توجيه السيارات نحو الباخرة.
وتثار، في هذا السياق، شكايات بشأن بعض الأشخاص المكلفين بتوجيه السيارات، ممن يُتهمون بممارسة ضغوط على المسافرين دون تقديم خدمة واضحة أو مبررة.
وهنا تطرح أسئلة جدية من قبيل، من يراقب هؤلاء الأشخاص؟ ومن يحدد مهامهم؟ ومن يحاسب من يستغل ارتباك المسافرين وحاجتهم إلى العبور في الوقت المحدد؟
إن كانت هناك خدمات مؤدى عنها، فيجب أن تكون واضحة، معلنة، ومؤطرة بوصولات أو تسعيرة رسمية. أما ترك المسافر تحت رحمة أشخاص يفرضون عليه أداءات غير واضحة، فذلك يفتح الباب أمام الفوضى والاستغلال ويضر بصورة الميناء والمدينة والبلاد.
أبناء الجالية المغربية ليسوا مجرد أرقام في لوائح المسافرين، ولا مجرد مداخيل موسمية لشركات النقل ووكالات السفر، إنهم مغاربة يعيشون خارج الوطن، يعودون إليه محملين بالحنين والأمتعة والهدايا، ويساهمون بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، ومن حقهم أن يجدوا عند مغادرتهم المغرب تنظيما محترما، ومرافق لائقة، ومعلومة واضحة، ومعاملة تحفظ كرامتهم.
ولا يمكن مطالبة أفراد الجالية بالصبر والتحمل كل صيف، ثم الاكتفاء بالحديث عن استقبالهم في أفضل الظروف، بينما الواقع الميداني يكشف عن اختلالات كان يفترض أن تكون موضع معالجة منذ سنوات.
ثم تأتي أسعار تذاكر السفر المرتفعة لتزيد من ثقل المعاناة. فالمسافر الذي يدفع مبلغا مهما مقابل رحلة بحرية، من حقه أن يتساءل: ماذا يحصل في المقابل من خدمات وتنظيم وظروف انتظار؟
المطلوب ليس الوعود.. بل حلول عاجلة.
ما يحدث أمام محطة بني أنصار يستدعي تدخلا عاجلا من جميع المتدخلين، وليس بيانات للاستهلاك أو وعودا موسمية. والمطلوب هو إحداث باحة مغطاة ومجهزة لاستقبال المسافرين، توفير مرافق صحية كافية ونظيفة، توفير أماكن مناسبة للنساء الحوامل والأطفال والمسنين، توفير فضاءات مهيأة لانتظار السيارات، بما فيها أماكن مظللة أو مغطاة، مراجعة توقيت تأكيد الحجوزات وتمديد عمل الشبابيك بما يتناسب مع مواعيد الرحلات، وضع نظام واضح وشفاف لتوجيه السيارات نحو البواخر، منع أي تحصيل مالي غير معلن أو غير مؤطر قانونيا، توفير المعلومات للمسافرين بشكل واضح منذ وصولهم إلى المحطة.
وضع آلية فعالة لتلقي شكايات أفراد الجالية ومعالجتها بسرعة.
فمغادرة المغرب يجب ألا تكون آخر صورة يحملها المهاجر المغربي عن وطنه هي صورة امرأة حامل تفترش الأرض، وطفل يواجه الحرارة، ومسن ينتظر لساعات، ومسافر يبحث عن مرحاض أو مكان يحتمي فيه من الشمس.
إنها ليست قضية رفاهية، بل قضية كرامة وتنظيم ومسؤولية.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم وبصوت مرتفع هو:
إذا كان أبناء الجالية مطالبين باحترام مواعيد الرحلات وأداء ثمن التذاكر في الوقت المحدد، فمن سيُلزم المسؤولين والوكالات والمتدخلين باحترام حق هؤلاء المسافرين في ظروف سفر تحفظ كرامتهم؟
بني أنصار تحتاج إلى حلول الآن، لا إلى موسم آخر من المعاناة.


