كلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية، تتحول وجدة إلى مختبر انتخابي مفتوح، تتقاطع فيه الحسابات الحزبية مع التحالفات الشخصية والامتدادات المحلية. لكن هذه المرة، يبدو المشهد أكثر تعقيدا، في دائرة لا تمنح سوى أربعة مقاعد، بينما تتسع دائرة الطامحين إلى الظفر بها.
المنافسة لن تكون مجرد صراع بين أحزاب، بل اختبارا لقدرة كل فريق على استثمار أوراقه وتجاوز نقاط ضعفه.
الأحرار بقيادة قايدي.. هدوء في مواجهة الانقسام.

يدخل التجمع الوطني للأحرار السباق بقيادة محمد قايدي، المقاول المعروف الذي اختار، وفق متابعين، الاشتغال بهدوء وإعادة ترتيب الفريق بعيدا عن الضجيج.
لكن مهمة قايدي لن تكون سهلة، خصوصا في ظل النقاشات والانقسامات التي طبعت وضع الحزب محليا. فالمطلوب منه ليس فقط الحفاظ على حضور الأحرار، بل إعادة توحيد مكوناته ومنع الخلافات الداخلية من التحول إلى خسارة انتخابية.
ورقة قايدي الأساسية هي الهدوء والعلاقات وبناء الفريق، أما الاختبار الأصعب فهو إثبات أن هذه المقاربة قادرة على الصمود أمام منافسين يدخلون المعركة بأسماء وازنة.
البام.. عندما تتحول قوة الأسماء إلى امتحان

يدخل الأصالة والمعاصرة المنافسة بتركيبة تبدو، على الورق، من الأكثر ثقلا.
تزكية عبد القادر الحضوري، المعروف بـ”ولد الشايب”، رئيس جماعة أهل أنكاد، تمنح الحزب امتدادا محليا، بينما يعزز حضور محمد هوار القادم من الأحرار، والمقاول هشام الصغير، ولخضر حدوش، ثقل الفريق.
قوة البام هنا واضحة: تجميع أسماء لها وزنها وتجاربها الخاصة.
لكن هذه القوة تحمل معها سؤالا حساسا: هل يستطيع الحزب تحويل هذه الشخصيات إلى فريق متجانس، أم أن تعدد مراكز القوة قد يفتح منافسة داخلية موازية؟
البام يدخل السباق بثقل واضح، لكن عليه أن يثبت أن تجميع الأسماء يمكن أن ينتج كتلة انتخابية، لا مجرد لائحة قوية على الورق.
الاستقلال.. عمر حجيرة ورهان القاعدة التقليدية

حزب الاستقلال يراهن على عمر حجيرة، أحد أكثر الأسماء خبرة في المشهد الوجدي، بعد مسار سياسي وإداري امتد من رئاسة جماعة وجدة إلى مجلس الجهة والبرلمان، وصولا إلى الحكومة.
ميزة حجيرة أنه يعرف تفاصيل المدينة وشبكاتها الانتخابية، كما أن الحزب يستند إلى قاعدة تقليدية لا يمكن تجاهلها.
لكن الاستقلال يواجه بدوره تحدي الحفاظ على تماسك هذه القاعدة في ظل إعادة تشكيل الخريطة السياسية.
المعركة بالنسبة إلى الحزب ستكون اختبارا لقدرة الرصيد التاريخي والخبرة الشخصية لحجيرة على مواجهة منافسين يستندون إلى تركيبات انتخابية جديدة.
الاتحاد الاشتراكي.. عمر أعنان ومحاولة تحويل الحضور إلى قوة

يبدو الاتحاد الاشتراكي من بين الأحزاب التي استعادَت جزءا من حضورها في وجدة، مع اختيار الدكتور عمر أعنان.
أعنان راكم خلال الولاية الحالية حضورا من خلال الترافع حول عدد من الملفات، وهو ما منحه، وفق متابعين، رصيدا سياسيا داخل المدينة.
لكن القيمة الانتخابية لهذا الرصيد ستتوقف على مدى نجاح الحزب في تحويل الالتفاف السياسي حول مرشحه إلى قوة منظمة.
وهنا تكمن معادلة الاتحاد: الرهان ليس على كثرة الأسماء، بل على تماسك الصف الاتحادي خلف مرشح واحد.
إذا نجح الحزب في ذلك، فقد يدخل بقوة إلى معادلة المقاعد الأربعة؛ وإذا بقي حضوره في حدود التأثير السياسي، فقد يكون ذلك أقل من المطلوب انتخابيا.
الحركة الشعبية.. رهان محمد محب على الاختراق

الحركة الشعبية تدخل السباق عبر المهندس محمد محب، الذي يشتغل على تركيب فريقه الانتخابي وترتيب أوراقه.
الحزب لا يملك، في الظاهر، الضجيج نفسه الذي يرافق بعض منافسيه، لكنه قد يحاول استثمار هذه الوضعية لبناء حملة أكثر تركيزا، واستقطاب أصوات خارج الدوائر التقليدية للأحزاب الكبرى.
التحدي هنا واضح، هل يستطيع محب تحويل هندسة الفريق إلى اختراق فعلي؟ فالحركة لا تنافس فقط من أجل الحضور، وإنما تبحث عن موطئ قدم في دائرة شديدة الاكتظاظ بالمنافسين.
العدالة والتنمية.. استعادة الحضور من بوابة القواعد القديمة

العدالة والتنمية يدخل الانتخابات وهو يحمل إرث مرحلة كان فيها أحد أبرز القوى السياسية في وجدة، لكنه فقد جزءا كبيرا من حضوره خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن اختفاء الحزب انتخابيا قد يكون مبالغا فيه. فالحزب راكم شبكة تنظيمية وبشرية واسعة، وبدأت بعض قواعده، وفق المعطيات المتداولة، في استعادة نشاطها.
لا يحتاج العدالة والتنمية إلى العودة إلى أرقام الماضي حتى يؤثر في السباق. استعادة جزء من رصيده السابق قد تكون كافية لإرباك حسابات المنافسين، خصوصا في دائرة لا تفصل فيها هوامش الأصوات بالضرورة بين الفائز والخاسر، ولهذا قد تكون أهمية الحزب في قدرته على إعادة توزيع الخريطة، أكثر من قدرته على استعادة موقعه السابق بالكامل.
أربعة مقاعد.. وستة طامحين رئيسيين
المعادلة الوجدية تبدو واضحة في ظاهرها وقاسية في تفاصيلها؛ أربعة مقاعد أمام عدد كبير من المتنافسين.
الأحرار يريد إثبات قدرة قايدي على إعادة ترتيب البيت الداخلي، والبام يدخل بفريق ثقيل الأسماء، والاستقلال يعتمد على تجربة احجيرة وقاعدة الحزب، فيما يراهن الاتحاد الاشتراكي على الدينامية التي خلقها عمر أعنان.
أما الحركة الشعبية فتبحث عن اختراق من بوابة محمد محب، بينما يحاول العدالة والتنمية استعادة جزء من قواعده القديمة وإعادة إدخال نفسه إلى الحسابات.
وهنا لا يمكن الجزم مسبقا بمن سيحصل على المقاعد الأربعة.
فالتحالفات لا تساوي بالضرورة أصواتا، والأسماء المعروفة لا تعني أصواتا مضمونة، والقوة التنظيمية لا تتحول تلقائيا إلى مقاعد.
عندما تتكلم الأرقام
الانتخابات المقبلة في وجدة تبدو مفتوحة على أكثر من سيناريو، فالمعركة لن تحسمها قوة الحزب وحدها، ولا شهرة المرشح وحدها، وإنما قدرة كل فريق على استثمار ما يملكه من أوراق في اللحظة الانتخابية الحاسمة.
ومن المرجح أن تكون المنافسة شديدة، خصوصا أن أي تقدم محدود في الأصوات قد يقلب ترتيب المقاعد.
في النهاية، أربعة فقط سيعبرون إلى البرلمان.
لكن المعركة الحقيقية أوسع من المقاعد الأربعة؛ فهي اختبار لموازين القوى الجديدة في وجدة، ومن ينجح فيها لن يحصد مقعدا برلمانيا فحسب، بل سيخرج بموقع أقوى في المشهد السياسي المحلي للسنوات المقبلة.
في وجدة، الجميع يدخل السباق بأوراق رابحة.. لكن الصندوق وحده سيكشف قيمة كل ورقة.



