تخليدا لذكرى السادس من فبراير، اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا الحدود والمفقودين في مسارات الهجرة، وتحت الشعار الصارخ:
“الحدود تقتل… كل حياة تساوي اكثر من قوانينهم وجدرانهم واسلحتهم… افتحوا الحدود!”، تحولت مدينة وجدة ما بين 5 و6 و7 فبراير 2026 الى فضاء للذاكرة واليقظة والاحتجاج الاخلاقي من تنظيم الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة بوجدة.

على امتداد هذه الايام، احتضنت المدينة سلسلة من الانشطة التحسيسية والترافعية التي مزجت بين النقاش العمومي والشهادة الانسانية، فكان للندوة الصحفية والندوة العمومية حول “الهجرة والحدود” دور في تفكيك منطق السياسات الحدودية الصلبة وطرح الاسئلة المؤجلة حول مسؤولية الدول في حماية الحق في الحياة. كما شكلت اللقاءات التواصلية لحظات تعبئة جماعية تقاطعت فيها اصوات العائلات مع اصوات المتضامنين لتتحول الحكايات الفردية الى ذاكرة جماعية تقاوم النسيان.
ولم تقتصر المبادرة على بعدها الحقوقي بل انفتحت ايضا على انشطة ادبية وثقافية جعلت من الكلمة والفن وسيلتين لاستحضار الغائبين وصون اسمائهم من الغرق الثاني غرق الصمت. هكذا بدت وجدة خلال هذه المحطة مدينة تستعيد دورها كضمير حي يصر على ان الكرامة ليست امتيازا وان الحق في الحياة يسمو على كل الحدود.

وتميز يوم السبت 7 فبراير برحلة رمزية الى شاطئ السعيدية عند خط الحدود البحرية بمنطقة الصخور Les Rochers حيث اجتمع اهالي المفقودين الى جانب فاعلين من جمعيات حقوقية وطنية ودولية في وقفة صامتة مشبعة بالدلالة والوجع تخليدا لليوم العالمي لـ CommemorAction. هناك عند تخوم الماء والغياب اختلط صمت البحر بحرقة العيون وارتفعت صور الشباب المفقودين محمولة بالورود قبل ان تسلم للامواج كإيماءة امل امل في عودة الغائبين او على الاقل في انكشاف الحقيقة.

الوقفة التي نظمتها الجمعية تجاوزت طابعها الرمزي لتتحول الى لحظة ذاكرة واحتجاج في آن واحد. ففي هذا الفضاء المفتوح على الاسئلة الثقيلة القى رئيس الجمعية حسن العماري نداء CommemorAction الذي يخلد سنويا في السادس من فبراير داعيا الى مواجهة ما سماه بـ “نظام الموت على الحدود” والى المطالبة بالحقيقة والعدالة والتعويض لضحايا الهجرة القاتلة وعائلاتهم وكذا لضحايا السياسات العنصرية التي تحول الحدود الى مساحات للعنف والافلات من المحاسبة.
واستحضر النداء بمرارة ومسؤولية مأساة “تاراخال” سنة 2014 حين فقد العشرات من المهاجرين حياتهم او اختفوا وهم يحاولون الوصول الى سبتة في سياق وسمه العنف الحدودي والتواطؤ الرسمي اعقبه ترحيل قسري للناجين. كما شدد على ان CommemorAction ليست مجرد طقس للذكرى بل فعل مقاومة ضد النسيان وضد التطبيع مع الموت والاختفاءات القسرية التي تنتجها سياسات المراقبة والقمع واصرار جماعي على ان الذاكرة حين تحمل بصدق تصبح شكلا من اشكال العدالة.
ومن بين اكثر لحظات الوقفة مسا للوجدان ارتفعت شهادة ايمان البستاوي لا بوصفها مجرد سرد بل كنبض انساني عاري من الزينة. حضرت كأخت لمفقود وكروح تحمل اسم محمد في قلبها منذ اربع سنوات وروت حكايته بنص موجع عنونته بـ “بين الموج والغياب”.
كانت كلماتها مرثية مفتوحة على البحر لشاب خرج ذات يوم يبحث عن الكرامة فابتلعته المسافة بين الحلم والشاطئ. محمد الذي غاب في رحلة انطلقت من الداخلة نحو لاس بالماس لم يكن وليد لحظة تهور بل حصيلة مسار طويل من القسوة والانكسار. رحلة سبقتها محطات اثقل من الاحتمال من ليبيا الجريحة الى الدار البيضاء حيث اعيد قسرا خلال جائحة كورونا بعد ان سرح رفقة عشرات الشباب ليعود محملا بخيبة جديدة وجرح اعمق.
تحكي ايمان وصوتها يتعثر بدموع لا تخطئ طريقها كيف تراكمت الهزائم الصغيرة في روح شقيقها وكيف صار الاخفاق المتكرر عبئا يوميا حتى جاء الغياب الاكبر منذ ذلك اليوم انقطعت اخباره كما تنقطع الانفاس في الاعماق لا شهادة وفاة تطمئن الالم ولا علامة حياة تبقي للامل شكله فقط فراغ معلّق بين الموج والغياب وبين انتظار لا ينتهي وقلب يرفض التسليم.




