في خضم التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي تشهدها إسبانيا، اختارت السلطات الإسبانية خلال السنوات الأخيرة اعتماد مقاربة أكثر مرونة في تدبير ملف الهجرة، عبر آليات قانونية تسمح لفئات من الأجانب غير النظاميين، ممن استوفوا شروط الإقامة والاندماج، بتسوية وضعيتهم الإدارية والانخراط في الدورة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
غير أن هذه المقاربة، رغم انفتاحها القانوني، تصطدم على مستوى التنفيذ بعنصر حاسم غالبا ما يغفل في النقاش العمومي، وهو أداء قنصليات بلدان الأصل، باعتبارها المزود الرئيسي للوثائق الأساسية التي لا غنى عنها في ملفات التسوية، وفي مقدمتها وثائق الهوية والحالة المدنية.
في هذا السياق، يبرز تفاوت صارخ في الأداء بين القنصليات المغربية ونظيرتها الجزائرية بإسبانيا، تفاوت لا ينعكس فقط على جودة الخدمة، بل على مصير آلاف المهاجرين.
فالقنصليات المغربية، المنتشرة بعدد مهم من المدن الإسبانية، اعتمدت خلال السنوات الأخيرة مقاربة تنظيمية واضحة، تقوم على نظام المواعيد المسبقة، وضبط تدفق المرتفقين، وتخصيص مسارات محددة لمعالجة ملفات تسوية الوضعية. ورغم الضغط الكبير الناتج عن ارتفاع الطلب وتعقد المساطر، فإن هذا التنظيم النسبي مكن شريحة واسعة من أفراد الجالية المغربية، خاصة الموجودين في وضعية هشة، من استكمال ملفاتهم داخل آجال معقولة.
هذا الأداء جعل القنصليات المغربية فاعلا عمليا في مواكبة التحولات التي يعرفها ملف الهجرة، وأسهم في تحسين صورة الإدارة القنصلية، ليس فقط كمرفق إداري، بل كحلقة وصل أساسية بين المهاجر والدولة المستقبلة، في لحظة دقيقة من مساره القانوني والاجتماعي.
في المقابل، تعكس القنصليات الجزائرية بإسبانيا صورة مغايرة تماما. فعددها المحدود، الذي لا يتجاوز ثلاث قنصليات فقط، إلى جانب ضعف الموارد البشرية وغياب أي نظام واضح للمواعيد أو لتنظيم الاستقبال، أفرز حالة من الفوضى المزمنة. طوابير طويلة، غياب المعلومة الدقيقة، ارتباك في التواصل، وتأخر كبير في تسليم الوثائق، كلها مشاهد يومية داخل هذه القنصليات.
هذا الوضع لا يقتصر أثره على معاناة إدارية عابرة، بل يترجم مباشرة إلى ضياع فرص قانونية حقيقية أمام آلاف الجزائريين الراغبين في تسوية وضعيتهم، والذين يجدون أنفسهم رهائن لاختلالات تنظيمية لا علاقة لهم بها. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى استعداد هذه القنصليات لمواكبة التحولات الجارية، وحول غياب إرادة إصلاح إداري يضع المهاجر في صلب الاهتمام.
خلاصة القول، إن نجاح سياسات تسوية وضعية الأجانب بإسبانيا لا يقاس فقط بنصوص القوانين أو بخطابات الانفتاح، بل يتوقف إلى حد كبير على نجاعة القنصليات. وبين نموذج مغربي اختار، رغم التحديات، التنظيم والتكيف، ونموذج جزائري ما يزال غارقا في الارتباك وضعف الحكامة، يبقى المهاجر الحلقة الأضعف، يدفع ثمن اختلالات إدارية كان بالإمكان تداركها بإصلاح بسيط لو توفرت الإرادة.




