من أحمد فتحي بنموسى إلى أحمد بنعامر، مروراً بميمون شطو ومحمد البكاوي وصولاً إلى حكيم بن عبد الله… مسار برلماني يمتد لنحو نصف قرن من الزمن، يجعل حزب الاستقلال أحد أكثر الأحزاب حضوراً واستمرارية في الخريطة الانتخابية لإقليم بركان.
منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، لم تكن الانتخابات التشريعية بإقليم بركان مجرد مواعيد دورية لاختيار ممثلي السكان داخل المؤسسة التشريعية، بل تحولت إلى مرآة عاكسة للتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها الإقليم، ومحطة متجددة لإعادة رسم موازين القوى بين الأحزاب والمرشحين.
وخلال المسار الممتد من 1977 إلى 2026، تمكن حزب الاستقلال من الظفر بـستة مقاعد برلمانية خلال ست ولايات تشريعية، توزعت على أسماء بارزة في تاريخ التمثيلية البرلمانية بالإقليم، بدءاً من الحاج أحمد فتحي بنموسى، مروراً بـأحمد بنعامر وميمون شطو، وصولاً إلى محمد البكاوي وحكيم بن عبد الله.
وهذا الحضور المتواصل، وإن لم يكن حكراً على حزب واحد في مختلف المراحل، يمنح حزب الاستقلال موقعاً متقدماً في قراءة تاريخ الانتخابات التشريعية بإقليم بركان، باعتباره أحد الألوان السياسية التي نجحت في الحفاظ على حضورها داخل البرلمان عبر محطات انتخابية متباينة.
من 1977… البدايات الأولى
في الولاية التشريعية 1977–1983، حمل أحمد فتحي بنموسى عن حزب الاستقلال مقعد دائرة بركان، في وقت آلت فيه دائرة أحفير إلى عبد العزيز اليعقوبي عن الحزب الوطني الديمقراطي.
وفي الولاية التشريعية 1984–1992، حافظ حزب الاستقلال على حضوره من خلال أحمد بنعامر، في مقابل تمثيلية التجمع الوطني للأحرار بدائرة بركان عبر ناجم لهبيل.
وهكذا بدأت ملامح الخريطة البرلمانية للإقليم تتشكل على أساس حضور أكثر من لون سياسي، وإن ظلت الأحزاب التقليدية صاحبة النصيب الأكبر من التأثير.
1993… «الميزان» يطيح بـ«السنبلة»
و«الوردة» تكسر هيمنة «الكاكي»
شكلت انتخابات 25 يونيو 1993 إحدى المحطات اللافتة في تاريخ التمثيلية البرلمانية بإقليم بركان، بعدما جرت في إطار الاقتراع الفردي، وأفرزت نتائج حملت معها تحولات سياسية واضحة.
ففي دائرة بركان، تمكن ميمون شطو عن حزب الاستقلال من الظفر بالمقعد البرلماني، بعد منافسة قوية مع الدكتور عبد الحفيظ الوشكرادي عن حزب الحركة الشعبية، في مواجهة انتخابية عكست قوة التنافس بين «الميزان» و«السنبلة».
أما دائرة أحفير، فقد شهدت تحولاً سياسياً بارزاً بفوز الدكتور محمد توفيق بلحسن عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، منهياً بذلك حضور الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يمثله لسنوات الراحل عبد العزيز اليعقوبي.
ولم يستمر بلحسن سوى ولاية واحدة، قبل أن ينتقل المقعد في الاستحقاقات اللاحقة إلى الأستاذ يوسف حفحاف عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي سيصبح لاحقاً أحد أكثر الوجوه حضوراً في التمثيلية البرلمانية بالإقليم خلال تلك المرحلة.
وهكذا كشفت انتخابات 1993 عن بداية إعادة ترتيب واضحة للخريطة السياسية، بعدما بدأت «الوردة» الاتحادية في تثبيت حضورها، بالتزامن مع استمرار «الميزان» في دائرة بركان.
1997… بداية اتساع رقعة التعدد
جاءت انتخابات 1997–2002 لتؤكد أن المشهد البرلماني بإقليم بركان دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز التعدد السياسي.
فقد توزعت المقاعد بين يوسف حفحاف عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبوجمعة بوطا عن التجمع الوطني للأحرار، ومصطفى إبراهيمي عن حزب العدالة والتنمية، وفق المعطيات المعتمدة في هذه القراءة.
وبذلك لم تعد التمثيلية البرلمانية مرتبطة بلون سياسي واحد، بل أصبح الناخب البركاني أمام خريطة أكثر تنوعاً، تعكس تعدد الاختيارات السياسية داخل الإقليم.
2002… عودة «الميزان» واستمرار التعدد
في انتخابات 2002–2007، عاد حزب الاستقلال إلى الواجهة من خلال ميمون شطو، الذي استعاد مقعده البرلماني، في وقت واصل فيه يوسف حفحاف حضوره عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
كما تمكن محمد تنويات من تمثيل حزب التقدم والاشتراكية، لتتأكد بذلك سمة التعدد التي بدأت تترسخ في الخريطة الانتخابية للإقليم.
وكانت هذه المحطة لافتة بصفة خاصة، لأنها جمعت بين الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، في صورة تعكس تنوع الاختيارات السياسية للناخبين.
2007… «العدالة والتنمية» يدخل المشهد بقوة
مع انتخابات 2007–2011، برز حزب العدالة والتنمية كقوة انتخابية جديدة في الإقليم، بعدما تمكن الدكتور مصطفى إبراهيمي من الفوز بمقعد برلماني.
وإلى جانبه، حضر يوسف حفحاف عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبلعيد رابحي عن الحزب العمالي.
وكان صعود العدالة والتنمية مؤشراً على تحول مهم في المزاج الانتخابي المحلي، خاصة أن الحزب سيواصل حضوره في المحطات اللاحقة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز مكونات الخريطة البرلمانية بإقليم بركان.
2011… ترسيخ حضور العدالة والتنمية
في انتخابات 2011–2016، واصل الدكتور مصطفى إبراهيمي تمثيل حزب العدالة والتنمية، في وقت عاد فيه التجمع الوطني للأحرار إلى الواجهة من خلال أنس بيرو، فيما مثل محمد زردالي حزب الاتحاد الدستوري.
وأفرزت هذه النتائج خريطة جديدة جمعت بين استمرارية بعض الوجوه والأحزاب، وصعود أخرى، بما يؤكد أن المشهد البرلماني بالإقليم أصبح أكثر انفتاحاً على التغيير.
2016… «البام» يدخل نادي البرلمانيين
حملت انتخابات 2016–2021 تحولاً جديداً، بعدما تمكن محمد إبراهيمي من الفوز باسم حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب مصطفى قاوري عن حزب العدالة والتنمية ومحمد البكاوي عن حزب الاستقلال.
وبذلك دخل حزب الأصالة والمعاصرة بقوة إلى الخريطة البرلمانية للإقليم، في وقت حافظ فيه كل من العدالة والتنمية وحزب الاستقلال على حضورهما.
كما شكل فوز محمد البكاوي محطة جديدة في المسار البرلماني لحزب الاستقلال، الذي واصل بذلك الاحتفاظ بمقعد داخل البرلمان بعد محطات سابقة حملت أسماء بارزة في تاريخ الحزب بالإقليم.
2021… «الميزان» يعود إلى الواجهة بثقله التاريخي
أما انتخابات 2021–2026، فقد أفرزت خريطة برلمانية جديدة، حملت معها استمرار التعدد، لكن بثلاثة ألوان سياسية رئيسية.
فقد تمكن حكيم بن عبد الله من الفوز باسم حزب الاستقلال، فيما حافظ محمد إبراهيمي على مقعده ممثلاً لحزب الأصالة والمعاصرة، ودخل محمد صديقي البرلمان باسم حزب التجمع الوطني للأحرار.
وهكذا استقرت التمثيلية البرلمانية للإقليم خلال هذه الولاية على ثلاثة ألوان سياسية: الاستقلال، والأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار.
وكان وصول حكيم بن عبد الله إلى البرلمان امتداداً لمسار طويل من حضور «الميزان» في الحياة الانتخابية البركانية، ليضاف اسمه إلى قائمة من حملوا المقعد البرلماني باسم الحزب منذ أحمد فتحي بنموسى وأحمد بنعامر، مروراً بميمون شطو ومحمد البكاوي.
برلمان بركان… خريطة بأسماء وألوان متعددة
وبالعودة إلى مختلف المحطات الانتخابية، يتضح أن برلمان الإقليم عرف تداولاً لافتاً بين مجموعة من الأحزاب والوجوه السياسية.
فالتجمع الوطني للأحرار حضر عبر أسماء مثل ناجم لهبيل، بوجمعة بوطا، أنس بيرو ومحمد صديقي.
أما حزب الاستقلال، فظل من أكثر الأحزاب استمرارية في الخريطة، من خلال أحمد فتحي بنموسى، أحمد بنعامر، ميمون شطو، محمد البكاوي وحكيم بن عبد الله.
وشكل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدوره أحد أبرز مكونات المشهد، خصوصاً من خلال يوسف حفحاف، الذي ارتبط اسمه بعدد من المحطات الانتخابية المهمة.
أما العدالة والتنمية، فقد تمكن منذ 2007 من بناء حضور برلماني واضح، أساسه الدكتور مصطفى إبراهيمي، قبل أن يواصل الحزب حضوره في المحطات التالية.
ثم جاء الأصالة والمعاصرة ليضيف لوناً جديداً إلى الخريطة، من خلال محمد إبراهيمي، الذي تمكن من الفوز بمقعد برلماني في 2016 والحفاظ عليه في 2021.
وبالموازاة مع ذلك، مرت على الخريطة البرلمانية للإقليم ألوان سياسية أخرى، من بينها الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، والحزب العمالي، والحزب الوطني الديمقراطي، بما يؤكد أن المشهد الانتخابي البركاني ظل متحركاً وقابلاً لإعادة تشكيل موازين القوى في كل محطة.
من الهيمنة إلى التعدد… ومن الأسماء إلى التحالفات الانتخابية
إن قراءة تاريخ الانتخابات التشريعية بإقليم بركان تكشف مساراً يتجاوز مجرد تعداد أسماء الفائزين والمقاعد المحصل عليها.
فقد انتقل الإقليم، على امتداد عقود، من مرحلة كان فيها حضور الأحزاب التقليدية أكثر وضوحاً، إلى مرحلة اتسعت فيها دائرة المنافسة لتشمل مختلف التيارات والألوان السياسية.
وكان حزب الاستقلال واحداً من أكثر الأحزاب قدرة على الحفاظ على حضوره داخل هذه الخريطة المتغيرة، إذ تعاقبت على حمل رايته أسماء سياسية متعددة، من أحمد فتحي بنموسى إلى أحمد بنعامر، ثم ميمون شطو، ومحمد البكاوي، وصولاً إلى حكيم بن عبد الله.
وبذلك لا يحكي تاريخ البرلمان في بركان فقط قصة مقاعد وأسماء، بل يرصد أيضاً تحولات عميقة في المزاج الانتخابي المحلي، وفي قدرة الأحزاب على المحافظة على مواقعها أو استعادتها، أو الظهور كقوى جديدة قادرة على قلب موازين المنافسة.
بركان في أفق الاستحقاقات المقبلة… هل تتغير الخريطة مرة أخرى؟
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تظل الخريطة البرلمانية لإقليم بركان مفتوحة على جميع الاحتمالات.
فهل ينجح الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار في الحفاظ على مواقعهم التي أفرزتها انتخابات 2021؟ أم أن صناديق الاقتراع ستفرز هذه المرة لوناً سياسياً جديداً، وتعيد ترتيب موازين القوى داخل الإقليم؟
ذلك ما ستكشفه نتائج الانتخابات، لكن المؤكد أن نحو نصف قرن من التاريخ الانتخابي البركاني يؤكد حقيقة واحدة: أن الخريطة السياسية لا تعرف الثبات، وأن المقعد البرلماني، مهما طال بقاؤه مع حزب أو اسم، يظل في النهاية رهيناً بإرادة الناخب وصناديق الاقتراع.


