في واحدة من أكثر الصور قسوة على الضمير الإنساني، وُوريت الثرى بمدينة جرادة جثامين ستة مهاجرين أفارقة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بينهم سيدتان، بعد أن لقوا حتفهم متجمّدين في وادٍ قرب تويسيت، على الحدود المغربية الجزائرية، ضمن حصيلة مأساوية بلغت تسع وفيات. لم يسقطوا في حرب، ولم تبتلعهم أمواج البحر، بل أنهكهم البرد والجوع والعطش وهم عالقون في منطقة حدودية قاحلة، تُركوا فيها لمصيرهم.
الضحايا كانوا في رحلة هروب لا في رحلة ترف. أجساد متعبة، وقلوب معلّقة بوهم الضفة الأخرى، لكن الطريق خانهم، كما خانهم العالم من قبل. فبين مطرقة الفقر والاستبداد في بلدانهم، وسندان الحدود المغلقة، وجدوا أنفسهم محاصرين في جغرافيا الموت.
وتعيد هذه الفاجعة تسليط الضوء على المعاناة المتكررة للمهاجرين الأفارقة على الحدود الجزائرية، حيث تتحدث تقارير حقوقية وشهادات ناجين عن ممارسات قاسية، تشمل الطرد القسري نحو مناطق حدودية معزولة، وترك المهاجرين دون ماء أو غذاء أو حماية، في ظروف مناخية قاسية، تجعل النجاة ضربًا من المستحيل. فبدل التعامل الإنساني مع أشخاص في وضعية هشّة، يتم دفعهم خارج الحدود، وكأن المشكلة تُحلّ بدفعها نحو العدم.
في هذا السياق، لا يمكن اختزال ما حدث في “حادث عرضي” أو “قضاء وقدر”. فالمسؤولية تتقاسمها سياسات إقليمية فاشلة، وأنظمة أغلقت كل أفق للحياة الكريمة، وتعاملت مع الهجرة باعتبارها تهديدًا أمنيًا فقط، لا مأساة إنسانية. حين تُغلَق الأبواب القانونية، ويُجرَّم الأمل، يصبح التهريب هو الطريق، ويغدو الموت رفيق الرحلة.
وسط هذا السواد، برز موقف ساكنة مدينة جرادة، الذين شيّعوا المهاجرين الستة في جنازة إنسانية مؤثرة، ودفنوهم بكرامة، في قبور بلا أسماء لكنها مغمورة بالتعاطف والدعاء. بكاهم أهل المدينة كأنهم أبناؤهم، في مشهد أعاد بعض التوازن إلى معنى الإنسانية المفقود.
المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في موت هؤلاء المهاجرين، بل في خطر تحوّلهم إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار، وأخبار عابرة في زمن البلادة الجماعية. هؤلاء لم يموتوا لأنهم اختاروا المغامرة، بل لأن البقاء في أوطانهم صار مستحيلاً، ولأن الحدود في شمال إفريقيا لم تعد خطوطًا بين دول، بل مصائد للموت البطيء.
إن ما جرى قرب تويسيت، وما احتضنه تراب جرادة، يجب أن يكون جرس إنذار جديد، فالهجرة لن تتوقف بالجدران ولا بالطرد ولا بالتجاهل، بل فقط حين يصبح للإنسان في بلده حق في الحياة، وحين تتعامل الدول مع المهاجر باعتباره إنسانًا أولاً… لا عبئًا يجب التخلص منه.



