لم يعد الوضع داخل المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة شأنا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلاف عابر بين الإدارة وبعض مكونات المؤسسة، بعدما اختار المكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بوجدة أن يرفع سقف الإنذار، ويصف الوضع بعبارة صريحة: «المركز الاستشفائي الجامعي من سيئ إلى أسوأ».
العبارة الواردة في البلاغ النقابي الصادر يوم 28 شتنبر الجاري ليست مجرد شعار احتجاجي، بل تعكس، في نظر أصحابها، حالة من الاحتقان وصلت إلى مرحلة دفعت المكتب المحلي إلى الدعوة لعقد جمع عام استثنائي يوم 14 أكتوبر المقبل، بعد ما قال إنه استنفد كل سبل التواصل والبحث عن حلول واقعية، قبل أن يصطدم بما وصفه بالتسويف والمماطلة.
والمثير في هذا التطور أن الأمر يتعلق بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، المؤسسة التي يفترض أن تكون في صدارة المنظومة الصحية بجهة الشرق، ليس فقط باعتبارها فضاء للعلاج والاستشفاء، وإنما أيضا باعتبارها مؤسسة جامعية ترتبط بالتكوين الطبي والبحث العلمي وتأهيل أجيال جديدة من الأطباء والأطر الصحية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي اختلال يصيب هذه المؤسسة لا يمكن أن يبقى محصورا داخل أسوارها، لأن انعكاساته تمتد بشكل مباشر إلى المواطن، وإلى الطبيب والأستاذ والطالب وباقي الأطر العاملة بها، بل وإلى مستقبل الخدمات الصحية بجهة الشرق برمتها.
وفي الوقت الذي كانت فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تعلن، في اليوم نفسه، عن رصد بؤرتين عائليتين محدودتين للدفتيريا بجهة سوس ماسة، وتؤكد تفعيل منظومة اليقظة والرصد والاستجابة الوبائية، عاد النقاش في وجدة ليطرح سؤالا أكثر عمقا: هل المؤسسة الاستشفائية الجامعية بالمدينة تتوفر فعلا على الظروف التنظيمية والبشرية واللوجستيكية التي تمكنها من أداء أدوارها كاملة، سواء في الظروف العادية أو أمام الحالات الاستثنائية؟
لا يتعلق الأمر هنا بالقول إن هناك علاقة بين حالات الدفتيريا المسجلة في سوس ماسة والمستشفى الجامعي بوجدة، فلا البلاغ الوزاري يقول ذلك ولا المعطيات المتوفرة تسمح بهذا الربط. لكن التطور الصحي في سوس ماسة يذكر بأهمية الجاهزية الدائمة للمؤسسات الاستشفائية، وبضرورة أن تكون المستشفيات الجامعية قادرة على الاستجابة لمختلف التحديات الصحية، وأن تتوفر للأطر الطبية والجامعية الظروف التي تمكنها من القيام بمهامها في أحسن الأحوال.
وفي وجدة، يبدو أن السؤال لم يعد فقط حول طبيعة المشاكل التي تتحدث عنها النقابة، وإنما حول الطريقة التي سيتم بها التعامل معها. فالمؤسسة التي توجد في قلب منظومة التكوين الطبي والاستشفاء بالجهة تحتاج إلى حوار مؤسساتي جدي، يستمع إلى مختلف الأطراف، ويفصل بين المطالب المشروعة والخلافات العابرة، ويضع مصلحة المريض وجودة التكوين وظروف اشتغال الأطر فوق كل اعتبار.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول التوتر إلى وضع دائم، أو أن تتراكم الإشكالات دون حلول، لأن المستشفى الجامعي ليس مؤسسة عادية يمكن أن تنتظر طويلا. كل تأخر في معالجة الاختلالات ينعكس، بشكل أو بآخر، على أداء المؤسسة وعلى صورة القطاع الصحي بوجدة وعلى ثقة المواطن في قدرته على الحصول على العلاج داخل مدينته وجهته.
إن العبارة التي اختارتها النقابة، «من سيئ إلى أسوأ»، تستحق أن تكون مناسبة لفتح نقاش حقيقي، لا لتبادل الاتهامات. فإذا كانت هناك اختلالات، فمن الضروري تحديدها بدقة، وإذا كانت هناك مطالب، فينبغي الاستماع إليها، وإذا كانت هناك صعوبات مرتبطة بالتدبير أو الموارد البشرية أو التجهيزات أو ظروف العمل، فإن المطلوب هو وضعها على طاولة المسؤولين والبحث عن حلول واضحة وقابلة للتنفيذ.
وجدة، التي تراهن على موقعها كقطب جهوي، لا تحتاج فقط إلى مشاريع وبنيات صحية تحمل صفة جامعية، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تشتغل بكفاءة وتوفر شروط العلاج والتكوين والبحث العلمي. والمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس يفترض أن يكون أحد أبرز عناوين هذا الطموح.
لذلك، فإن الجمع العام الاستثنائي المرتقب في 14 أكتوبر المقبل ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد محطة احتجاجية، بل فرصة لطرح الأسئلة التي ظلت معلقة، والاستماع إلى جميع الأطراف، والانتقال من تشخيص الأزمة إلى معالجة أسبابها.


